
2026-10-16
انتخابات على مقاس المانحين؟ هل يريدون تغيير السلطة أم تجديد شرعيتها؟
بقلم: المهندس غسان جابر – الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين – رئيس فرع فلسطين.
ليست المشكلة أن الفلسطينيين ينتظرون الانتخابات من جديد، بل أن العالم الذي يطالبهم بالديمقراطية يبدو معنياً، بقدر لا يقل، بشكل السلطة التي ستنتجها صناديق الاقتراع. وهنا يبرز السؤال الأكثر إحراجاً: هل يريد الاتحاد الأوروبي انتخابات تفتح الباب أمام قيادة فلسطينية جديدة، أم انتخابات تعيد منح الشرعية للوجوه القديمة، مع بعض التعديلات التي تجعلها أكثر قبولاً لدى المانحين؟
هذا ليس اتهاماً جاهزاً، بل اختبار لصدقية الخطاب الأوروبي.
في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، صدر مرسوم تأجيل الانتخابات الفلسطينية، التي كانت مقررة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني، إلى 11 سبتمبر/أيلول 2027. وجاء القرار بينما تتكثف التحركات الدولية لإعادة تشكيل إدارة غزة، وتتزايد المطالب بإصلاح السلطة الفلسطينية وتجديد شرعيتها، فيما لا يزال الفلسطينيون محرومين من مجلس تشريعي منتخب منذ سنوات طويلة.
المفارقة أن العالم يناقش مستقبل الحكم الفلسطيني، ويضع شروطاً لإصلاح مؤسساته، بينما يبقى الشعب نفسه خارج معادلة القرار.
أوروبا: دعم للديمقراطية أم نفوذ على شكل السلطة؟
الاتحاد الأوروبي ليس مجرد ممول للمؤسسات الفلسطينية؛ فحجم دعمه المالي، وبرامجه المرتبطة بالإصلاح والحوكمة، يمنحانه نفوذاً سياسياً مؤثراً. ومن حقه أن يطالب بالشفافية ومكافحة الفساد وحسن إدارة المال العام، لكن السؤال هو: أين ينتهي الإصلاح الإداري ويبدأ التأثير في خيارات الفلسطينيين السياسية؟
الإصلاح الحقيقي لا يعني تحسين أداء المؤسسات القائمة فحسب، بل فتحها أمام المساءلة والتغيير وتداول المسؤولية. أما إذا اقتصرت العملية على تطوير الإدارة مع إبقاء مراكز النفوذ بعيدة عن الاختبار الشعبي، فنحن أمام تحديث للجهاز، لا تجديد للنظام السياسي.
هل تريد بروكسل سلطة تحظى بثقة شعبها، أم سلطة تحظى أولاً بثقة المانحين؟
قد تجتمع الثقتان، لكنهما ليستا شيئاً واحداً. فالقيادة التي ترضي الجهات الممولة لا تكتسب تلقائياً تفويضاً شعبياً، كما أن القيادة التي يختارها الناخبون لا تصبح غير شرعية لمجرد اختلافها مع بعض العواصم.
الامتحان الحقيقي: ماذا لو جاءت الانتخابات بوجوه جديدة؟
لنفترض أن الانتخابات المقبلة أفرزت شخصيات مستقلة، وقيادات شابة، وقوائم لا تنتمي إلى مراكز النفوذ التقليدية، أو مجلساً تشريعياً يطالب بمراجعة العلاقة الاقتصادية مع إسرائيل، ويعيد النظر في أولويات الإنفاق والمساعدات الخارجية.
هل سيتعامل الاتحاد الأوروبي مع هذه النتائج باعتبارها تعبيراً مشروعاً عن الإرادة الشعبية، أم ستبدأ عندها مراجعة المواقف والتمويل والعلاقات السياسية؟
لا توجد أدلة كافية للقول إن أوروبا تسعى إلى إبقاء الوجوه القديمة في مواقعها. لكن دعم الانتخابات لا يُختبر عندما تأتي النتائج متوافقة مع توقعات المانحين، بل عندما تفرز نتائج لا يرغبون فيها.
وهنا يجب التمييز بين حق أوروبا في تحديد سياساتها التمويلية والدبلوماسية وفق قواعدها المعلنة، وبين التدخل في حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم. فمن حق المانحين المطالبة بالشفافية والالتزام بالقانون، لكن ليس من حقهم تحويل شروط التمويل إلى أداة لإعادة هندسة خيارات الناخبين.
كما أن الوجوه الجديدة ليست أفضل بالضرورة لمجرد أنها جديدة؛ فالفيصل هو البرنامج والكفاءة والنزاهة واحترام التعددية. لكن تقرير ذلك يعود إلى الناخب، لا إلى موظف في عاصمة أوروبية، ولا إلى مسؤول فلسطيني يخشى خسارة موقعه.
إذا كانت الوجوه القديمة تحظى بثقة الناس، فلتثبت ذلك في الصندوق. وإذا أراد المواطنون تغييرها، فليس لأحد أن يطلب منهم تجديد الثقة بها حفاظاً على استقرار اعتادته الطبقة السياسية.
وماذا لو جاءت النتائج مخالفة للحسابات الأوروبية؟
السؤال أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بقوى سياسية تختلف معها أوروبا، وفي مقدمتها حماس. فقبول نتائج الانتخابات لا يعني أن الاتحاد الأوروبي ملزم بتأييد كل برنامج سياسي أو التخلي عن مواقفه وشروطه القانونية، لكنه يقتضي عدم الخلط بين حق المواطنين في الاختيار وبين تفضيلات المانحين السياسية.
وفي المقابل، لا تمنح الانتخابات أي حزب حصانة من الالتزام بالقانون، أو احترام التعددية وحقوق المواطنين، أو تحمل مسؤولية الحكم.
المطلوب، إذاً، قواعد واضحة قبل الاقتراع، تُطبق على الجميع، لا شروط تتبدل بعد إعلان النتائج. فالديمقراطية ليست مجرد السماح للناس بالتصويت، بل احترام اختيارهم ضمن إطار قانوني يضمن الحريات والتنافس السلمي والمساءلة.
وهذا هو الامتحان الذي ينبغي أن تواجهه أوروبا علناً: هل تقبل بمؤسسات فلسطينية منتخبة وفق قواعد عادلة، حتى عندما تختلف سياسياً مع القوى التي تتصدرها؟
التأجيل: من يربح الوقت ومن يدفع الثمن؟
لا يمكن تجاهل العقبات الإسرائيلية، ولا صعوبة تنظيم انتخابات حرة وشاملة في القدس وغزة والضفة الغربية. لكن وجود العقبات لا يجعل التأجيل حلاً تلقائياً، ولا يضمن أن تصبح الظروف أفضل في سبتمبر/أيلول 2027.
النتيجة المؤسسية المباشرة واضحة: استمرار المؤسسات القائمة من دون تجديد انتخابي، وغياب الرقابة التشريعية المنتخبة، ومنح القوى السياسية وقتاً إضافياً لترتيب حساباتها. ولا يثبت ذلك أن التأجيل جاء لحماية مصالح شخصية، لكنه يوضح أن الوضع القائم هو المستفيد المباشر من غياب الانتخابات.
أما الخسارة الأكبر فيتحملها المواطن الفلسطيني الذي لا يستطيع محاسبة ممثليه عبر صناديق الاقتراع، فيما تستمر القرارات المصيرية المتعلقة بالحكم والتمويل وإدارة غزة في مسارات تتداخل فيها المصالح الفلسطينية والإقليمية والدولية.
وهنا تلتقي المفارقة الأوروبية مع الأزمة الفلسطينية: كلما تأخرت الانتخابات، تراجعت قدرة المؤسسات القائمة على الاستناد إلى تفويض شعبي حديث، واتسع المجال أمام الأطراف الخارجية للتأثير في شروط إصلاحها ومستقبلها.
لذلك، لا يكفي أن تطالب فرنسا والاتحاد الأوروبي بإجراء الانتخابات؛ عليهما أيضاً دعم ترتيبات عملية تضمن مشاركة الفلسطينيين، والضغط على إسرائيل لوقف تعطيلها، وتوضيح موقفهما من احترام نتائجها. وعلى القيادة الفلسطينية، في المقابل، أن تقدم تقييماً علنياً للعقبات والبدائل التي دُرست، بدلاً من الاكتفاء بتغيير الموعد.
من يمنح الشرعية لمن؟
المشكلة ليست في حاجة السلطة الفلسطينية إلى إصلاح، ولا في حق المانحين في مراقبة أموالهم؛ المشكلة تبدأ عندما يصبح الإصلاح بديلاً عن المساءلة الشعبية، وعندما تُعامل الانتخابات باعتبارها أداة لتجديد شرعية المؤسسات القائمة، لا فرصة حقيقية لتغييرها.
فالدولة التي تطالب العالم بالاعتراف بحق شعبها في تقرير مصيره لا تستطيع أن تجعل تقرير المصير مؤجلاً إلى أجل غير مضمون، أو أن تستبدل التفويض الشعبي بشهادات رضا من العواصم الممولة.
نحن لا نحتاج إلى انتخابات تعيد طلاء البيت السياسي الفلسطيني باللون نفسه، ولا إلى وجوه جديدة تُختار لتجميل المشهد القديم. نحتاج إلى انتخابات يقرر فيها الفلسطينيون من يحكمهم، ومن يراقب أداءه، ومن يملك حق استبداله.
إذا كان الخارج يريد ديمقراطية فلسطينية، فعليه أن يقبل بنتائجها؛ وإلا فهو لا يدعم حق الشعب في الاختيار، بل يخاطر بأن يبدو كأنه يريد اختيار ما يناسبه من الشعب.
أما الوجوه القديمة، فليس المطلوب إقصاؤها، بل إخضاعها للاختبار نفسه الذي ينبغي أن يخضع له الجميع: صندوق الاقتراع. ومن يثق بشعبيته لا يخشى الانتخابات، ومن يخشى نتائجها لا يجوز أن يطلب من شعبه الانتظار إلى ما لا نهاية.
م. غسان جابر – فلسطين
![]()







