مصر والصين في عامهما السبعين والاستثمار في المعرفة المشتركة

عندما يعمل مهندس مصري إلى جانب مهندس صيني على تطوير خط الإنتاج الذي يعملان فيه، أو عندما يتعاون باحث مصري مع نظيره الصيني لإيجاد حلول تتناسب مع احتياجات الزراعة المحلية، تكتسب الصداقة بين البلدين معنى راسخا قادرا على الاستمرار عبر أجيال متعاقبة. ومن هذه الزاوية أقرأ زيارة الرئيس شي جين بينج إلى مصر يومي الأول والثاني من سبتمبر 2026، في الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. فقد أتاحت الزيارة فرصة للتفكير في الأثر الذي تستطيع الشراكة أن تتركه داخل المجتمع، وفي المعارف والمهارات التي تنمو مع كل مشروع مشترك.

وبوصفي باحثا صينيا شابا متخصصا في الدراسات الدولية والإقليمية، أرى أن الاحتفاء بسبعين عاما من العلاقات المصرية الصينية يدعونا إلى الاهتمام بمن سيكتبون فصولها المقبلة. فعندما أقامت مصر علاقاتها الدبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1956، كانت أول دولة عربية وأفريقية تقدم على هذه الخطوة. ومنحت هذه البداية الصداقة مكانة خاصة في تاريخ علاقات الصين بالعالم العربي وأفريقيا. واليوم، يستطيع الجيل الجديد أن يمنح هذا الإرث حضورا في حياته اليومية، من خلال الدراسة والعمل والإنتاج والبحث المشترك.

وقد وفرت زيارة الرئيس شي أرضية عملية لهذا التوجه. فإلى جانب البيان المشترك بشأن مواصلة تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة، شهد الرئيسان توقيع وثائق في مجالات الحزام والطريق والذكاء الاصطناعي والتعاون الاقتصادي والتجاري وسلاسل الصناعة والإمداد. وأعلنت الخارجية الصينية توقيع أكثر من عشرين وثيقة إضافية في الاقتصاد الرقمي والعلوم والتكنولوجيا والتعليم والنقل. ومن وجهة نظري، تتيح هذه المجالات المترابطة مساحة للجمع بين الاستثمار والتعلّم؛ إذ يمكن للطلاب من خلالها أن يجدوا مسارا يربطهم بالمؤسسات الاقتصادية ويمكّنهم من خدمة المجتمع، كما تستطيع الجامعات أن تستكشف، انطلاقًا من احتياجات الإنتاج الفعلية، قضايا جديرة بالبحث والدراسة.

ويقدم الإعلان المصري عن الاتفاق على تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية الصينية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس مثالا واضحا على هذه الإمكانية. فقد ربط الرئيس عبد الفتاح السيسي هذا التوسع بقطاعات تشمل الطاقة المتجددة والسيارات والنسيج والألياف الكيماوية. ويمكن أن يصاحب اتساع النشاط الصناعي تعاون أعمق مع التعليم الفني والجامعات، وأن تصبح الخبرة المتراكمة داخل الشركات مادة للتدريب وتطوير المناهج. بذلك، يكتسب كل استثمار امتدادا في قدرة العامل والمهندس والمؤسسة التعليمية.

تتضح قيمة هذا الامتداد إذا نظرنا إلى المصنع بوصفه مكانا يتعلم فيه الناس معا. فالفني الذي يكتسب مهارة جديدة يستطيع أن يدرب زملاءه، والشركة المصرية التي تتقن معايير توريد معينة تستطيع أن توسع فرصها في السوق. ومع تراكم هذه الخبرات، تتسع دائرة الاستفادة لتشمل الموردين المحليين وخدمات الصيانة والتصميم والنقل. وأرى أن متابعة هذا الأثر المعرفي تمنحنا فهما أدق للعائد الاجتماعي من التعاون، وتساعدنا على تقدير ما يظل حاضرا في الاقتصاد بعد اكتمال إنشاء المشروع وبدء تشغيله.

ولهذا يلفت النظر تأكيد البيان المشترك على بناء القدرات البشرية وتبادل الخبرات والتكنولوجيا، بالتوازي مع بحث التعاون في التصنيع المحلي والتقنيات المتقدمة. وتوحي هذه الصلة باتجاه واعد للتنفيذ. فالتعاون في الطاقة الشمسية، مثلا، يمكن أن يضم مسارات لتأهيل الفنيين وتطوير إجراءات التشغيل والصيانة. كما يمكن للتعاون الرقمي أن يفسح المجال أمام فرق مشتركة تطور تطبيقات باللغة العربية، وتختبر مدى ملاءمتها لاحتياجات المدارس أو المزارع أو المنشآت الصغيرة. هذه أمثلة على فرص أقترح استكشافها في ضوء التوجهات التي رسمتها الزيارة.

ويكتسب هذا المسار عمقا أكبر حين يشارك المصريون في تحديد الأسئلة وتصميم الحلول منذ البداية. فالباحث المصري يعرف خصائص البيئة المحلية وأنماط الاستخدام وتوقعات المجتمع، ويضيف الشريك الصيني خبرته المناسبة للمشروع. ومن عملهما معا تنشأ معرفة جديدة تخص التجربة المشتركة. وتتيح هذه الطريقة أيضا للجانب الصيني التعلم من الخبرة المصرية في التعامل مع بيئة عربية وأفريقية، وتطوير منتجات وخدمات أكثر اتصالا باحتياجاتها. وهنا تصبح المنفعة المتبادلة ممارسة يومية داخل فرق العمل.

ولعل زيارة الرئيسين وقرينتيهما إلى المتحف المصري الكبير تقدم مدخلا مكملا لفهم هذه الثقة. فقد عرضت أمام الجمهور مشهدا من التقدير الصيني للحضارة المصرية، ومن استعداد البلدين لتقاسم المعرفة بتاريخ الإنسان. وفي هذا المشهد أرى دعوة إلى منح التعاون الثقافي استمرارا عمليا، عبر الترجمة والبحث في التراث وإعداد محتوى تعليمي مشترك. فالفضول تجاه حضارة الآخر يساعد على طرح أسئلة أعمق عن مجتمعه المعاصر، ويمنح العلاقة الإنسانية مساحة تتسع مع كل لقاء.

ويستطيع التعاون بين الجامعات والمتاحف أن يربط هذا الاهتمام الحضاري بتخصصات حديثة، مثل توثيق التراث رقميا وتطوير أدوات عرضه للجمهور. ويمكن لطلبة التاريخ واللغات والتصميم وعلوم الحاسوب أن يجتمعوا حول مشروع واحد يعرّف القارئ العربي بجانب من الحضارة الصينية، أو يشرح للزائر الصيني جانبا من التاريخ المصري. وهذه مشروعات مقترحة يلتقي فيها احترام الخصوصية الثقافية مع اكتساب المهارات. كما تمنح الشباب فرصة لاكتشاف ما يستطيع كل طرف أن يضيفه إلى معرفة الطرف الآخر.

ويحمل هذا التوجه دلالة عربية وأفريقية أوسع. فالمعرفة التي تنتجها فرق مصرية وصينية حول الزراعة أو التعليم الفني أو الخدمات الرقمية يمكن، بعد اختبارها وتطويرها، أن تصبح متاحة لشركاء مهتمين في بلدان أخرى. وبذلك تستطيع مصر أن توسع دورها في إنتاج الخبرة وتداولها إقليميا. وتستطيع الصين أن تطور، بالتعاون معها، ممارسات أكثر استجابة لتنوع المجتمعات. وأرى في ذلك إسهاما عمليا في التعاون بين دول الجنوب، ينمو من تجربة محددة قابلة للدراسة والاستفادة.

وتتصل هذه الإمكانات بالاهتمام الذي أولته محادثات الرئيسين للسلام والتنمية في المنطقة. فقد أكد الجانبان أهمية المسارات الدبلوماسية والتنسيق من أجل الاستقرار، وأبرز الرئيس شي دور التنمية في ترسيخ الأمن المشترك. وتمنح هذه الرؤية للتعاون التعليمي والإنتاجي معنى إنسانيا واسعا؛ إذ يرتبط مستقبل الباحث والعامل وصاحب المشروع ببيئة تسمح بالتخطيط والتواصل. وكل فرصة للتعلم والعمل المشترك تستطيع أن تعمق الروابط بين المجتمعات، وأن تمنح الناس مصلحة ملموسة في استمرار التعاون.

ومن موقعنا كباحثين شباب، يمكن أن تبدأ مساهمتنا بخطوات واضحة: فريق يترجم دراسة ميدانية، أو حلقة بحث تجمع طلبة من البلدين حول تجربة صناعية، أو مشروع تخرج يعالج حاجة يحددها شريك محلي. ويساعد توثيق هذه المبادرات ونشر نتائجها على إتاحة الخبرة لآخرين وتطويرها مع الوقت. كما يتيح إدراجها في برامج الجامعات والمؤسسات البحثية أن تجد الاستمرارية التي تستحقها. بهذه الأعمال القريبة من الناس، نستطيع المشاركة في تحويل توجهات الزيارة إلى علاقات مهنية وإنسانية طويلة الأمد.

بعد سبعين عاما، تتجدد الصداقة المصرية الصينية بقدر ما تفتح أمام الناس إمكانات جديدة. وقد هيأت زيارة الرئيس شي جين بينج، وما تخللها من تفاهمات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، فرصة ثمينة لتوسيع هذه الإمكانات. وأتطلع إلى أن يكون من ثمارها جيل يعرف كيف يعمل مع شريكه، وكيف يطور المعرفة التي يتقاسمانها، وكيف يجعلها نافعة لمجتمعه. فعندما ينجح شاب في تحسين عملية إنتاج، أو تساعد دراسة مشتركة على تطوير خدمة، تصبح الصداقة جزءا من القدرة على صنع المستقبل.

Loading