الصين بعيون عراقية: سبعة وسبعون عاما من الحكاية والإنجاز

بقلم الكاتب أحمد محمد، عضو مجلس الإدارة في الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل

حين ننظر من بغداد الى الصين اليوم، لا تبدو لنا الصين مجرد دولة بعيدة في شرق آسيا، ولا مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل تبدو كحكاية طويلة من التحولات، بدأت من لحظة تاريخية فاصلة، ثم واصلت طريقها عبر عقود من العمل والتغيير حتى وصلت الى مكانة مؤثرة في عالم اليوم.

ففي الاول من تشرين الاول عام 1949، اعلن تأسيس جمهورية الصين الشعبية، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ بلد يمتلك واحدة من اقدم الحضارات في العالم. ومنذ ذلك اليوم، مرت الصين بتحولات عميقة، بعضها كان صعبا ومعقدا، وبعضها فتح الطريق امام تحولات اقتصادية واجتماعية واسعة، حتى اصبحت تجربتها واحدة من اكثر التجارب التي تستحق التأمل في العصر الحديث.

ومن بغداد، المدينة التي كانت في عصور مختلفة محطة مهمة على طرق التجارة والتواصل بين الحضارات، يمكن قراءة التجربة الصينية من زاوية تتجاوز الارقام والمؤشرات الاقتصادية. فالصين بالنسبة للعراقي ليست فقط المصانع والقطارات السريعة والموانئ والتكنولوجيا، بل هي ايضا حضارة لها ذاكرة عميقة، وشعب استطاع ان يحول كثيرا من التحديات الى دوافع للعمل وبناء المستقبل.

سبعة وسبعون عاما ليست مجرد رقم في التقويم. انها مسافة زمنية شهدت انتقال الصين من ظروف صعبة الى اقتصاد يعد من اكبر اقتصادات العالم، وتوسعا هائلا في البنية التحتية، وتقدما في العلوم والتكنولوجيا، وتحسنا كبيرا في مستويات المعيشة، الى جانب حضور متزايد في الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا على المستوى الدولي.

لكن ربما تكون الحكاية الاهم في التجربة الصينية هي ان التنمية لم تكن بالنسبة الى الصين مجرد بناء للطرق والمصانع، بل تحولت الى مشروع طويل المدى ارتبط بالتعليم، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، وتطوير المدن، ورفع كفاءة الانتاج، والانفتاح على العالم.

وهنا يجد العراقي مساحة واسعة للتأمل. فالعراق والصين بلدان تفصل بينهما آلاف الكيلومترات، لكنهما يرتبطان بذاكرة قديمة من التواصل. فقد كان العراق جزءا مهما من العالم الذي عبرته طرق التجارة القديمة، وكان طريق الحرير مساحة لانتقال السلع والافكار والثقافات والمعارف بين الشرق والغرب.

ولذلك، فان الحديث عن الصين الحديثة من منظور عراقي لا ينبغي ان يتوقف عند حجم التجارة او الاستثمارات او الشركات. فالعلاقة بين الشعبين يمكن ان تكون اوسع من ذلك بكثير، وان تتحول الى جسور للمعرفة والثقافة والتعليم والبحث العلمي والتبادل بين الجامعات والشباب.

لقد تغيرت الصين كثيرا خلال العقود الماضية، كما تغير العالم من حولها. واليوم تدخل الصين مرحلة جديدة تقوم بدرجة متزايدة على الابتكار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة والاقتصاد الرقمي، وهي مجالات ستعيد تشكيل مستقبل الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.

ومن العراق، الذي يمتلك تاريخا عريقا في العلم والمعرفة، يمكن النظر الى هذه التحولات باعتبارها فرصة للتعلم والتعاون، لا مجرد مشهد نتابعه من بعيد. فالعلاقات بين الدول لا تصنعها الحكومات وحدها، بل تصنعها ايضا الجامعات والباحثون والطلاب والمثقفون ورجال الاعمال والمؤسسات الثقافية، وكل من يستطيع بناء جسر جديد بين شعبين.

ولعل هذا هو المعنى الاوسع لطريق الحرير في الذاكرة العراقية والصينية. فلم يكن طريق الحرير في التاريخ مجرد طريق للتجارة وانتقال السلع بين الشرق والغرب، بل كان مساحة واسعة لالتقاء الحضارات وتبادل الثقافات والمعارف والافكار. ومن هنا يمكن للعلاقات العراقية الصينية اليوم ان تستعيد شيئا من هذا المعنى، ولكن بلغة العصر الجديد.

سبعة وسبعون عاما من تأسيس الصين هي ايضا سبعة وسبعون عاما من التحولات التي صنعت صورة الصين التي نراها اليوم. وبين الصين التي بدأت مسيرتها في عام 1949 والصين التي تقف اليوم في قلب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية، تمتد قصة طويلة من العمل والتجربة والتعلم والتغيير.

وبالنسبة لي كعراقي ينظر الى الصين باهتمام، فان اجمل ما في هذه المناسبة ليس فقط الاحتفال بما تحقق، بل التأمل في ما يمكن ان تحمله السنوات المقبلة من فرص جديدة للتعاون بين العراق والصين.

فالعراق لا يحتاج الى ان يرى الصين بعين اقتصادية فقط، كما ان الصين تستطيع ان ترى العراق بما هو اكثر من سوق او مصدر للطاقة. هناك تاريخ وحضارة وثقافة ومجالات واسعة للتعاون يمكن ان تجعل العلاقة بين بغداد وبكين اكثر عمقا واستدامة.

وفي ذكرى تأسيس جمهورية الصين الشعبية، تبدو الحكاية الصينية بالنسبة الى العراقي حكاية تستحق القراءة من اكثر من زاوية فهي  حضارة حافظت على ذاكرتها، ودولة خاضت تحولات كبرى، وشعب واصل طريقه نحو التنمية، وتجربة اصبحت جزءا مهما من المشهد العالمي.

ومن بغداد الى بكين، تبقى المسافة الجغرافية طويلة، لكن طريق المعرفة والتعاون يمكن ان يكون اقصر بكثير.

سبعة وسبعون عاما من الحكاية والانجاز، وربما تكون السنوات القادمة بداية لفصول جديدة من هذه الحكاية، ليس للصين وحدها، بل لعلاقات اكبر واكثر عمقا بين العراق والصين، تقوم على المصالح المشتركة، والتعلم المتبادل، والصداقة بين الشعوب.

Loading