
2026-08-29
بقلم: نجيب الكمالي
ما لفت انتباهي وأنا أطالع ما كتبه الرفيق مشخل كولوسي عن رؤية الرئيس الصيني شي جين بينغ لترشيد الذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية، ليس الحديث عن التكنولوجيا وحدها، وإنما الطريقة التي استطاع بها أن يأخذنا إلى فكرة فلسفية عمرها أكثر من ألفي عام، ثم يعيدها إلى حاضرنا وكأنها ما زالت تعيش بيننا.
توقف مشخل عند أفلاطون وفكرته الشهيرة عن «الحاكم الفيلسوف»، ثم قرّب المسافة بين أثينا القديمة والصين المعاصرة. وهذه النقلة هي التي جعلتني أتوقف عند مقاله. كيف يمكن لفكرة ولدت في زمن بعيد أن تدخل اليوم في نقاش حول الذكاء الاصطناعي، والحوكمة الرقمية، ومستقبل البشرية؟
ربما لأن السؤال الذي طرحه أفلاطون لم ينتهِ.
كان يرى أن شقاء الناس لن ينتهي إلا عندما يصل الفلاسفة والمفكرون إلى مقاليد الحكم، لأن الدولة لا تحتاج إلى من يمتلك السلطة فقط، وإنما إلى من يمتلك العقل الذي يعرف كيف يستخدمها وإلى أين يقودها.
ومن هنا يأخذ الحديث عن شي جين بينغ معنى آخر.
عندما أتابع التجربة الصينية، أجد أن شي لا يظهر في خطاباته كرئيس دولة يدير الملفات اليومية فقط، وإنما كمفكر سياسي لديه تصور واسع لما يمكن أن يكون عليه مستقبل بلاده والعالم. وهذا ما يظهر بوضوح عندما يتحدث عن قضايا مثل الذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية جديدة تدخل إلى حياتنا. إنه يعيد ترتيب الاقتصاد والعمل والتعليم والإعلام والأمن، ويفتح أبواباً لا نعرف حتى الآن كل ما وراءها.
وهنا تكمن أهمية ما يطرحه شي.
فالدعوة إلى تعزيز الوعي بالمخاطر، وضمان أمن الذكاء الاصطناعي وإمكانية التحكم فيه، والتأكيد على بقائه تحت السيطرة البشرية، تعني أن التطور لا يمكن أن يتحرك بلا ضوابط.
السؤال لم يعد: ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟
السؤال الأصعب هو: ماذا نسمح لها أن تفعل؟
وهذا سؤال يتجاوز المختبرات والشركات إلى السياسة والأخلاق ومستقبل الإنسان نفسه. فالتكنولوجيا التي نصنعها لخدمتنا يمكن أن تصبح مصدراً للخطر إذا فقد الإنسان القدرة على التحكم في اتجاهها ونتائجها.
لهذا أجد أن الحوكمة الرقمية في الرؤية الصينية ليست مجرد استجابة لتطور تقني جديد، وإنما محاولة للتفكير في القادم قبل أن يصبح أمراً واقعاً.
وهنا تقترب فكرة أفلاطون أكثر.
الحاكم الفيلسوف في عصرنا، كما أفهمه، ليس شخصاً يجلس بعيداً عن الواقع ويتحدث بلغة الفلسفة، بل قائد يعرف أن الحكم ليس إدارة لليوم فقط. هناك قرارات تحتاج سنوات حتى تظهر نتائجها، وهناك أفكار قد تحدد شكل حياة أجيال كاملة.
وهذا النوع من التفكير هو ما أراه حاضراً في التجربة الصينية.
الصين لم تصل إلى مكانتها الحالية بالصدفة. وراء ما نراه من قطارات سريعة ومدن ذكية وتقدم صناعي وتكنولوجي، توجد رؤية طويلة المدى جعلت المستقبل جزءاً من عملية التخطيط، وليس مجرد شيء سيأتي ونرى ماذا سنفعل معه.
وهذا لا يعني أن التجربة الصينية فوق النقد، أو أنها خالية من الأخطاء. لكن الإنصاف يقتضي أن نقرأها كما هي، وأن نتوقف عند أسباب نجاحها، خصوصاً في قدرتها على التفكير في قضايا لم تتحول بعد إلى أزمات كاملة.
ومن هنا أعود إلى مقال الرفيق مشخل.
أعتقد أنه نجح في شيء مهم؛ لم يضع أفلاطون في مقاله كاسم تاريخي للاستشهاد فقط، وإنما استخدم فكرته لفتح نافذة على تجربة معاصرة. فجأة تصبح المسافة بين أثينا القديمة وبكين اليوم أقل مما نتخيل، ويعود سؤال قديم ليطرح نفسه وسط عالم جديد تماماً.
هل نحتاج إلى حاكم يجيد إدارة ما هو موجود أمامه، أم إلى قائد يستطيع أن يرى ما سيأتي ويحاول الاستعداد له قبل أن يصل؟
بالنسبة لي، هنا تكمن قيمة تجربة شي جين بينغ.
قد يختلف الناس في السياسة، وقد تتباين المواقف من الصين، لكن من الصعب تجاهل قيادة تنظر إلى الذكاء الاصطناعي لا باعتباره سباقاً في امتلاك التقنية فقط، وإنما باعتباره سؤالاً يتعلق بمستقبل الإنسان.
وهنا تحديداً تلامس أفكار أفلاطون واقع الصين المعاصر؛ ليس لأن التاريخ يعيد نفسه، وإنما لأن بعض الأسئلة الكبيرة لا تتغير مهما تغير الزمن.
ومنها سؤال واحد ظل حاضراً من أثينا إلى بكين:
من الذي يقود المستقبل… ومن الذي يكتفي بانتظاره؟ نجيب الكمالي رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين عضو الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل
رئيس تحرير موقع صوت القضية الإخباري
![]()








