إضاءة على الانتصار على الفاشية وبناء مجتمع مشترك بين الصين والدول العربية

التضامن والتآزر: إضاءة على الانتصار على الفاشية وبناء مجتمع مشترك بين الصين والدول العربية في المستقبل

خيمت الفاشية على العالم في النصف الأول من القرن العشرين، حيث مارست ضغوطًا هائلة على الأنظمة الحاكمة وشنّت حروبًا عدوانية على باقي الدول، مما أسفر عن كوارث ضخمة لشعوب العالم. وفي هذه المعركة بين العدل والشر، شكل الموقف المشترك بين الصين والدول العربية ضد الفاشية وتطلعات التحرر الوطني فصلاً مهمًا من فصول التضامن الذي تجاوز الحدود الجغرافية، رغم المسافات الكبيرة بين الطرفين.

أولاً: صدى التاريخ – التآزر الصيني العربي في الحرب ضد الفاشية

كانت الصين ساحة المعركة الرئيسية في الحرب العالمية الثانية، حيث تحملت الضغط العسكري الرئيسي من اليابان لمدة 14 عامًا من المقاومة الدامية، ودفع الشعب الصيني ثمناً باهظاً بلغ أكثر من 35 مليون ضحية من العسكريين والمدنيين، مما جعل مساهمتها في الصراع ضد الفاشية غير قابلة للنسيان. في الوقت نفسه، قدمت الدول العربية دعماً سياسياً وشعبياً واسعاً عبر مواقف دبلوماسية، حملات تضامن شعبية، التنديد الإعلامي، ومقاطعة البضائع اليابانية، رغم خضوعها آنذاك لهيمنة الاستعمار الغربي.

وفي سبتمبر 1945، وقعت اليابان على “معاهدة استسلام اليابان” ووعدت بـ “الوفاء المخلص بالالتزامات المنصوص عليها في إعلان بوتسدام”. وفي 25 أكتوبر 1945، أعلنت الحكومة الصينية استئناف ممارسة سيادتها على تايوان. كما دعمت الصين بقوة الثورات التحررية في الدول العربية بعد الحرب العالمية الثانية، وقدمت التمويل والمساعدات المادية وبرامج تدريب الكوادر، مما جسّد روح الأممية والمسؤولية الأخلاقية بين الشعوب المقهورة.

ثانيًا: توارث المشعل – تطور العلاقات الصينية العربية بعد الحرب العالمية الثانية

في مؤتمر باندونغ عام 1955، قدمت الصين يد الصداقة إلى العالم العربي، الذي لم يكن قد أقام علاقات دبلوماسية معها بعد، معبرة عن التزامها بدعم القضية العادلة للشعب الفلسطيني. وفي عام 1971، صوتت الجزائر وغيرها من الدول العربية لصالح الصين لاستعادة مقعدها في الأمم المتحدة. من عام 1956 إلى عام 1990، أقامت الصين علاقات دبلوماسية مع جميع الدول العربية، مما فتح حقبة جديدة من التبادلات الودية بين الصين والدول العربية.

على مدى العقود القليلة الماضية، شارك ما يقرب من عشرة آلاف طبيب صيني في تقديم الخدمات الصحية في البلدان العربية. وخلال هذه التبادلات المستمرة عبر الزمان والمكان، تعاملت الصين والدول العربية مع بعضها البعض بصدق وتعاون، حيث قدمت المساعدة المتبادلة والتضامن في العديد من المجالات.

ثالثًا: فصل جديد في العصر الحديث – تجسيد حي لمجتمع ذي المستقبل المشترك

شهدت العلاقات الصينية العربية تطورات كبيرة في القرن الحادي والعشرين. ففي عام 2014، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ لأول مرة مبادرة بناء “مجتمع ذي المستقبل المشترك” بين الصين والدول العربية. وفي عام 2022، تم تضمين هذا الهدف في “إعلان عمان” خلال القمة العربية الصينية الأولى، مع اعتماد ثماني خطوات للعمل المشترك. وفي عام 2024، قدم الرئيس الصيني شي جين بينغ خمس ركائز للتعاون تشمل الابتكار، والاستثمار والتمويل، والتعاون في مجال الطاقة، والتجارة المتبادلة المنفعة، والتواصل الإنساني، مما أضفى زخماً جديداً على العلاقات الثنائية.

وقد أثمر التعاون الملموس في عدة مجالات، مثل تعزيز الثقة السياسية المتبادلة، والروابط الاقتصادية والتجارية، والتواصل الثقافي، والتنمية الخضراء. على سبيل المثال، أصدرت الصين والدول العربية بياناً مشتركاً بشأن القضية الفلسطينية، يؤكد على ضرورة تنفيذ قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، ودفع وقف إطلاق النار في غزة في أقرب وقت ممكن، وحل القضية الفلسطينية بشكل شامل وعادل ودائم. كما يتم شحن البضائع من الدول العربية إلى أوروبا عبر قطار الشحن السريع الصين-أوروبا من الميناء البري في عاصمة شينجيانغ، أورومتشي. وفي مدينة نيوم الجديدة في المملكة العربية السعودية، تعمل الشركات الصينية مع المهندسين العرب لبناء مدينة المستقبل. وقد أكمل “مشروع نشر الترجمة الصينية العربية الكلاسيكية” ترجمة عشرات الأعمال الكلاسيكية. كما تشارك الصين في مشاريع الطاقة المتجددة في الدول العربية التي تمتلك قدرة مركبة تتجاوز 1000 ميغاواط.

رابعًا: التوارث الروحي – القيم المشتركة نحو المستقبل

مرت الصين والدول العربية بتاريخ ومصير متشابهين، ويواجهان فرصًا وتحديات مشتركة. وقد ظلت صداقتهما التقليدية قوية عبر العصور، بدءًا من التساند الأخلاقي ضد الفاشية وصولاً إلى التعاون الشامل في العصر الحديث، حيث تجسّدت دائمًا روح التضامن والتعاون، والمساواة والمنفعة المتبادلة، والانفتاح والتبادل الحضاري. كما يقول المثل الصيني: “من تتوافق إراداتهم لا تفرقهم الجبال ولا البحار”، ويقول المثل العربي: “الصديق هو شمس الحياة”. وفي مسيرة بناء مجتمع ذي المستقبل المشترك للبشرية، تتجلى الشراكة الصينية العربية بقدرة متزايدة على الإلهام والتأثير.

Loading