
2025-09-02
لُجين سليمان: من الحرب الصينية-اليابانية إلى استعراض 3 سبتمبر: الذاكرة والتجدد
في 18 سبتمبر من كل عام، تدوي صفارات الإنذار في المدن الصينية كافة، في طقس جماعي يعيد إلى الأذهان سنوات الحرب الدامية ضد اليابان. تلك الصفارات لا تستحضر فقط الألم والخسائر، بل تذكّر الأجيال الجديدة بما تكبّدته الصين من تضحيات جسام للحفاظ على سيادتها الوطنية.
تاريخيا
لقد خاضت اليابان حربا عنيفة ضد الصين، محققة في المراحل الأولى من حربها انتصارات سريعة وواسعة، وذلك على الرغم من المقاومة العنيفة التي أبداها الصينيون. فبحلول منتصف عام 1939 سيطرت القوات اليابانية على خطوط السكك الحديدية والمدن الكبرى في شمال الصين، واستولت على كانتون بعد حادثة عسكرية مؤلمة، كما قطعت خطوط الإمداد الحيوية عبر ووهان – العاصمة المؤقتة آنذاك – لإعاقة نقل المؤن والذخائر. ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ احتلت اليابان جزيرة هاينان وعدداً من المواقع الاستراتيجية، وسعت سرّاً لإسقاط قيادة الجنرالات الثوريين من أجل تحويل الصين إلى مستعمرة ضمن مشروع “النظام الجديد في شرق آسيا”.
وفي 12 أكتوبر 1938 أنزلت اليابان قواتها في خليج بي بالقرب من هونغ كونغ، في إشارة واضحة إلى عزمها على توسيع رقعة الحرب. وخلال فترة لم تتجاوز عامين، بسطت سيطرتها على معظم المدن الكبرى والموانئ المهمة، وأحكمت قبضتها على خطوط السكك الحديدية، وحققت تفوقاً بحرياً وجوياً مكّنها من قصف المدن والأحياء الصينية بلا هوادة. ورغم هذه الضربات العنيفة والخسائر البشرية الفادحة، واصلت الصين المقاومة بعزيمة صلبة، ما جعل الحرب تمتد أبعد مما توقعه اليابانيون أنفسهم.
كانت اليابان قوة إمبريالية كبرى، في حين وُصفت الصين آنذاك بأنها دولة ضعيفة شبه مستعمَرة وشبه إقطاعية. لكن إصرار الشعب الصيني على القتال وتمسكه بجبهة مقاومة ممتدة غيّر تدريجياً موازين القوة، وأدى في نهاية المطاف إلى قلب مسار الحرب لصالح الصين وحلفائها.
اليوم
في السياق التاريخي السابق تحل الذكرى الثمانون لانتصار الشعب الصيني في حرب المقاومة ضد اليابان والحرب العالمية ضد الفاشية، حيث تستعد بكين لإحياء المناسبة عبر عرض عسكري ضخم يقام في الثالث من سبتمبر 2025 بساحة تيان آن من، وهو الحدث المعروف باسم استعراض 3 سبتمبر (93 阅兵) ويُعد محطة مركزية في الفعاليات الرسمية لتخليد ذكرى الانتصار. يقام العرض تحت شعار “إحياء ذكرى الانتصار العظيم في الحرب ومواصلة روح المقاومة العظيمة”، وسيتولى الرئيس شي جين بينغ، بصفته الأمين العام للحزب الشيوعي ورئيس الدولة ورئيس اللجنة العسكرية المركزية، استعراض القوات المشاركة. وقد أعلن مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة في يونيو عن الخطة العامة للاحتفالات، أعقبها تدريبات شاملة خلال شهر أغسطس قبل أن يُعلن في العشرين من الشهر ذاته عن الجاهزية الكاملة للعرض، الذي سيضم خمسة وأربعين تشكيلًا ويستمر حوالي سبعين دقيقة موزعة على مرحلتين تشملان المراسم الرسمية والاستعراض الميداني. ويهدف هذا الاستعراض إلى إبراز الدور المحوري للصين كجبهة شرقية رئيسية في الحرب العالمية الثانية، والتأكيد على مساهمة الشعب الصيني في الانتصار العالمي ضد الفاشية، وإظهار الحزب الشيوعي كركيزة أساسية في حرب المقاومة، فضلًا عن التشديد على التزام الصين بالدفاع عن مكتسبات ما بعد الحرب وتعزيز العدالة الدولية، والتعبير عن مسؤوليتها في بناء مجتمع المصير المشترك للبشرية. ومن المقرر أن تعرض القوات المشاركة أحدث ما أنتجته الصناعة العسكرية الصينية من أسلحة ومعدات، بدءًا من الجيل الجديد للأسلحة التقليدية وصولًا إلى الطائرات المسيّرة الذكية وقوات الحرب تحت الماء وقدرات الدفاع والهجوم السيبراني والأسلحة فرط الصوتية، في مشهد يعكس قدرة الجيش الصيني على مواكبة التطور التكنولوجي والتحولات في طبيعة الحروب واستعداده لخوض تحديات المستقبل.
خاتمة
بين صفارات الإنذار في مايو التي تذكّر بسنوات المقاومة الدامية، واستعراض 3 سبتمبر 2025 الذي يرمز إلى القوة المتجددة، تسعى الصين إلى ربط ماضيها بحاضرها. فذكرى الحرب لا تُستحضر كجرح تاريخي فقط، بل كقوة دفع نحو بناء مستقبل قائم على الذاكرة الجماعية، وحماية السيادة الوطنية، وإبراز حضور الصين كفاعل رئيسي في النظام الدولي.
![]()













