كيف تشكل التعاون الإنساني بين الآسيان والصين ومجلس التعاون الخليجي: الهوية الإقليمية

في 27 مايو 2025، عُقدت قمة “الآسيان-الصين-مجلس التعاون الخليجي” الأولى في كوالالمبور بماليزيا، حيث وقّع الأطراف الثلاثة على “الإعلان المشترك لقمة الآسيان-الصين-مجلس التعاون الخليجي”، مُطلقين فصلاً جديداً من التعاون الإقليمي. إن إنشاء هذه الآلية ليس امتداداً لروح طريق الحرير القديم فحسب، بل تمثل أيضاً ممارسة استراتيجية للاقتصادات الآسيوية الناشئة لصياغة الهوية الإقليمية من خلال التبادل الإنساني في سياق تفتت العولمة. تستكشف هذه المقالة مسارات التعاون الإنساني الثلاثي وآثاره بعيدة المدى على الهوية الإقليمية، بالاستناد إلى نتائج القمة وحالات عملية.

 أولاً: الأسس الواقعية ونماذج التعاون الإنساني الثلاثي

يشكّل التعليم حجر الزاوية للتبادل الإنساني، حيث يعمّق الأطراف الثلاثة التعاون عبر بناء شبكات لمشاركة المعرفة. فقد أقامت الصين والآسيان نظاماً ناضجاً للتعاون التعليمي، حيث تجاوز عدد الطلاب المتبادلين 175 ألف بحلول 2023. على سبيل المثال، دفع “مشروع ألف مدرسة صينية-آسيانية” أكثر من 500 مدرسة لبناء شراكات، وقامت جامعة هاينان للمحيطات الاستوائية عبر مشروع “صندوق التعاون البحري الصيني-الآسياني” بنشر موارد “المنصة التعليمية الذكية للمدارس الابتدائية والإعدادية الصينية” في تايلاند والفلبين، حيث درس أكثر من 500 طالب آسياني دورات اللغة الصينية والثقافة الصينية عبر هذه المنصة. كما يتعمق التعاون التعليمي بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي، حيث أكد ولي عهد الكويت الشيخ صباح خلال القمة رغبته في تعزيز التبادل التعليمي مع الصين وتعزيز تبادل الشباب.

في مجال حماية التراث الثقافي، يبرز التعاون الثلاثي بشكل ملحوظ. في نوفمبر 2023، عقدت الصين والآسيان ودول جنوب آسيا اجتماعاً مستديراً لحماية تراث طريق الحرير البحري، وأطلقت عبر “مبادرة قوانغشي” آلية مشتركة عابرة للحدود لتسجيل التراث العالمي، دافعةً بحماية ودراسة مواقع تراثية مثل “آثار هوبو لثقافة هان” و”معابد باغان”. وقد حقق التعاون بين الصين والمملكة العربية السعودية والإمارات في ترميم التراث نتائج ملموسة، مثل فريق الخبراء من معهد شنشي للبحوث الثقافية الذي قام بترميم معابد باغان في ميانمار، مما حمى الآثار التاريخية وعزز التبادل الحضاري.

يشكّل الحوار الحضاري أحد ثمار التبادل الإنساني الثلاثي. انطلق مبادرة “الحوار الكونفوشيوسي-الإسلامي” في الصين وماليزيا أولاً، حيث عززت الحوار بين الحضارتين الإسلامية والصينية عبر توقيع اتفاقية الإعفاء من التأشيرة والمعارض الثقافية المشتركة. تاريخياً، دمج علماء المسلمين الصينيين الثقافة الإسلامية والفكر الكونفوشيوسي عبر حركة “التفسير الكونفوشيوسي للنصوص الإسلامية”، مشكلين إسلاماً صينياً متميزاً، وهي تجربة تقدم إسهاماً قيماً للتبادل الحضاري المعاصر.

يُمثّل الشباب حامل المستقبل للهوية الإقليمية. استقطب “مهرجان النخبة الشبابية الصيني-الآسياني” منذ 2013 آلاف الشباب عبر عشر دورات، وعزز التفاهم المتبادل عبر الزيارات الميدانية والأنشطة الثقافية. نفذت جامعة هاينان للمحيطات الاستوائية برامج تبادل طلابي مع جامعات الآسيان، حيث ترسل عشرات الطلاب والمعلمين سنوياً إلى دول جنوب شرق آسيا وتستقبل طلاباً آسيانيين لدراسة علوم المحيطات والثقافة. كما تتعمق التبادلات الشبابية بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي، مثل “منتدى الشباب البيئي” ضمن مبادرة السعودية “الشرق الأوسط الأخضر” الذي جذب ممثلين شباب من الأطراف الثلاثة لمناقشة قضايا التنمية المستدامة.

 ثانياً: مسارات متعددة الأبعاد لصياغة الهوية الإقليمية

حدد الإعلان المشترك للقمة التبادل الإنساني كمجال تعاون أولوي، وطرح إجراءات ملموسة مثل تعزيز تبادل الحضارات والثقافات وتقوية التعاون التعليمي وتسهيل تنقل الأشخاص. نفذت الصين سياسة الإعفاء الكامل من التأشيرة لدول مجلس التعاون الخليجي وأطلقت “تأشيرة الآسيان” للدول الأعضاء، مما يوفر إجراءات متعددة الدخول لمدة 5 سنوات، ويمثل هذه السياسات ضمانات مؤسسية للتبادل الإنساني. كما وافق الأطراف الثلاثة على إنشاء مجلس أعمال إقليمي لدفع حوار الشركات وتدفق الكفاءات، مما يعزز أسس التعاون.

تلعب القوى الشعبية دوراً لا غنى عنه في صياغة الهوية الإقليمية. حيث عرض فيلم “حوار الآسيان” الوثائقي المشترك بين الصين والآسيان قصصاً حقيقية مثل المساعدات الطبية وحماية التراث الثقافي، مظهراً دفء وقوة التعاون الشعبي. وقدّم مشروع “مؤسسة هونغ كونغ المشتركة” لعمليات إزالة المياه البيضاء المجانية في دول الآسيان فوائد لعشرات الآلاف من المرضى، ليصبح نموذجاً للتعاون الإنساني. كما عززت التعاونات بين الجماعات الدينية والمنظمات غير الحكومية في مجالات الإغاثة من الكوارث وتنمية المجتمعات الثقة والصداقة بين الشعوب.

توفر التكنولوجيا الرقمية قنوات جديدة للتبادل الإنساني. حيث بدأ “مركز التعاون للتعليم الرقمي الصيني-الآسياني” عملياته، مع مشاركة 800 مقرر دراسي دولي. وطورت جامعة هاينان للمحيطات الاستوائية منصة “المحيط الذكي” الإلكترونية التي تدمج بيانات البحوث البحرية لدول الآسيان، محسنةً التدفق العابر للحدود للموارد الأكاديمية. كما تزداد التفاعلات الثقافية على منصات التواصل الاجتماعي، مثل “تحدي ثقافة الآسيان” على تيك توك الذي جذب ملايين المستخدمين ونشر الثقافة الشعبية عبر الحدود.

يعيد الأطراف الثلاثة صياغة الذاكرة المشتركة الإقليمية عبر البحوث المشتركة والتسجيل التاريخي. حيث قام مشروع “دراسة تاريخ طريق الحرير البحري” المشترك بين الصين والآسيان ومجلس التعاون الخليجي بتوثيق منهجي لشبكات التجارة القديمة ومسارات التبادل الثقافي، ونشر نتائج أكاديمية مثل “سلسلة آثار طريق الحرير البحري”.

ثالثاً: صورة المستقبل: من الرؤية إلى العمل

في المستقبل، ستعمل الأطراف الثلاثة على تحقيق الاعتراف المتبادل بدرجات التعليم العالي بحلول 2030، لدعم المزيد من الطلاب في التبادل عبر الإقليمي. ستوسع الصين انتشار “ورش لوبان” في دول مجلس التعاون الخليجي، وتتعاون مع السعودية والإمارات لبناء قواعد للتعليم المهني لتأهيل الكفاءات عالية المهارات. في نفس الوقت، سيرتقي التعاون في التعليم الرقمي عبر تطوير منصات تعلم إلكترونية متعددة اللغات لتغطية 100 مليون مستخدم في دول الآسيان ومجلس التعاون الخليجي.

ستولي الأطراف الثلاثة أكبر اهتمام بحماية تراث طريق الحرير الثقافي من خلال دعم مشاريع تسجيل وترميم التراث الثقافي العابر للحدود. سترتقي مبادرة “الحوار الكونفوشيوسي-الإسلامي” إلى آلية دائمة، مع عقد “مؤتمر الحوار الحضاري الآسيوي” سنوياً لدعوة علماء وفنانين من الأطراف الثلاثة لمناقشة مسارات التبادل الحضاري. كما ستتعاون الأطراف لإنشاء “سنة ثقافة طريق الحرير” لتعزيز مشاركة الموارد الثقافية عبر معارض متنقلة وعروض فنية.

سيتطور التبادل الشبابي نحو المؤسسية والاستدامة. يتوجب على الأطراف الثلاثة إنشاء “منتدى قيادات الشباب الآسيان-الصين-مجلس التعاون الخليجي” لاختيار حوالي مائة ممثل شبابي سنوياً للمشاركة في الحوار السياسي والمشاريع العملية. ستتعاون الصين مع دول مجلس التعاون الخليجي لتنفيذ “مشروع ريادة الشباب” بتقديم دعم مالي وتدريب تقني لمساعدة الشباب في الابتكار وريادة الأعمال. كما ستدفع الأطراف بمشاريع الخدمة التطوعية الشبابية مثل “عملية متطوعي الحفاظ على البيئة في طريق الحرير البحري” لتعزيز الإحساس الشبابي بالمسؤولية الإقليمية.

يشكّل الربط البيني أساس التبادل الإنساني. ستسرع الأطراف الثلاثة بناء “طريق الحرير الرقمي الصيني-الآسياني-مجلس التعاون الخليجي” لتحقيق تغطية كاملة لشبكات “5G” في الإقليم بحلول 2030، وإنشاء منصة لمشاركة البيانات العابرة للحدود. في القنوات البحرية، سيحسّن “تحالف موانئ طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين” المشترك بين الصين والآسيان ومجلس التعاون الخليجي توزيع الخطوط البحرية ويخفض تكاليف الخدمات اللوجستية لتعزيز تدفق الأشخاص والمواد.

خاتمة

من طريق الحرير القديم إلى “طريق الحرير 2.0” اليوم، يبني التعاون الإنساني للآسيان-الصين-مجلس التعاون الخليجي شبكة هوية إقليمية تتجاوز الفوارق الحضارية عبر روابط التعليم والثقافة والشباب. لا تقضي هذه الهوية على التنوع الثقافي، بل تشكل سعياً قيمياً مشتركاً على أساس احترام الاختلافات عبر الحوار والتعاون. مستقبلاً، مع تعمق التعاون الثلاثي، ستتشكل تدريجياً “جماعة مصير آسيوية” متجذرة في التبادل الإنساني، مدفوعة بالتعاون الاقتصادي، ومضمونة بالتنسيق الأمني، لتقدم نموذجاً جديداً للتعاون الإقليمي للعالم. كما أكد الإعلان المشترك للقمة، سيعمل الأطراف الثلاثة “بعزيمة راسخة، لتعزيز روح الشمولية والاستدامة والمرونة والشراكة المتساوية، وفتح طريق للتضامن والمصير المشترك نحو سلام وازدهار ومستقبل عادل ومنطقي”. إنها ليست فرصة لآسيا فحسب، بل قوة دافعة رئيسية لإصلاح الحوكمة العالمية.

Loading